سلّحت إسرائيل آلاف المستوطنين وزوّدتهم بالزي العسكري ومنحتهم القوة الفتاكة بغياب آليات إشراف ورقابة على تفعيلها. إطلاق نار، إعتداءات، تعدي على الممتلكات والأراضي، سطو وسرقة، وإتلاف الممتلكات، ليست سوى بعض الأمثلة على الحوادث التي ارتكب فيها مدنيون إسرائيليون جرائم ضد الفلسطينيين بالسلاح والزي العسكري في العامين الماضيين. هذه الإعتداءات، ارتكبها مستوطنون – جنود بصفة عسكرية، في تجاوز للصلاحيات والسُلطة، مستوطنون – جنود كانوا في إجازة وليس في إطار أي عمل أو نشاط رسمي، أو مستوطنين بالزي العسكري تصرفوا بشكل مستقل كما يحلو لهم.
تُشكّل وحدات الحامية الإقليمية، مركّزي الأمن المحلي العسكريين، وقوات التدخل السريع جزءًا من منظومة الحراسة والأمن العسكرية – المدنية للمستوطنات الاسرائيلية بالضفة الغربية. لا يحاول تقرير “مستوطنون بالزي العسكري” أن يحلل هذا التصوّر الأمني أو يدرس مدى حاجته، وإنما أن يُشير فقط إلى العواقب الخطيرة من هذا النهج وانعدام آليات الإشراف والرقابة عليه. يستعرض هذا التقرير ويقدم تحليلًا لنهج استغلال المدنيين الإسرائيليين للقوة والصلاحيات المُرتبطة بالزي العسكري والأسلحة لارتكاب جرائم وإيذاء الفلسطينيين.
يرتدي أفراد قوات الأمن الزي العسكري لتمييزهم وتقديم علامة مرئية لكونهم أصحاب الصلاحيات، وأنه يتوجب عليهم التصرّف بموجب القانون ولأجله، وبموجب التزام القائد العسكري. من جانب آخر، حينما يضع مدنيًا الزي العسكري دون إذن أو يتصرف خارج نطاق صلاحياته وسلطته، فإنه يطوّع القانون لإرادته، ويرتدي “حلّة” الانتماء للجيش ويسيء استخدام السلطة التي يضمنها له الزي.
الأحداث التي يتناولها التقرير ليست سوى عيّنة صغيرة من ظاهرة متعددة الوجوه، والتي تكشف عن الطريقة التي يعتدي بها المستوطنون بالزي العسكري على الفلسطينيين ويؤذونهم: جندي في إجازة يقرر ارتداء الزي العسكري واستخدام السلاح؛ منسّق الأمن المحلي للمستوطنة يعمل خارج نطاق منطقته؛ جنود الحامية الاقليمية الذين يتصرفون من غير سلطة؛ أو مستوطنين ينتحلون صفة الجنود. عمليًا، من الصعب وحتى المستحيل التمييز بين جندي حامية اقليمية، عضو في قوات التدخل السريع، أو مستوطن قرر بشكل مستقل أن يرتدي الز العسكري، كما لا يمكن التمييز إذا ما كان هذا جنديًا احتياطيًا نشطًا أو مدنيًا يرتدي الزي العسكري وقرر أن يفعل ما يشاء. علاوة على ذلك، بالنسبة لضحايا الجريمة الفلسطينيين، مفهوم أن المُعتدي عليهم الذي يرتدي زيًا عسكريًا إسرائيليًا يمثّل القانون في الأراضي المحتلة.
من جانبها، توّفر السلطات الإسرائيلية الدعم لعنف المستوطنين بالزي العسكري ضد الفلسطينيين، ليس فقط بواسطة توزيع الزي العسكري والسلاح عليهم، بل بكونها لا تُنفذ القانون على المُجرمين والجُناة. حينما تُقدّم شكاوى ضد المُعتدين، تحاول سلطات إنفاذ القانون بالعموم التهرب من مسؤوليتها بالتحقيق في الحادث: تدعي النيابة العسكرية أن العنف لا يُرتكب في إطار نشاط عسكري، وبالتالي لا تقع الحادثة تحت مسؤوليتها، بينما تغلق الشرطة ملفات التحقيق أو تزعم أن الأفعال ارتكبها أشخاص بزي عسكري، وعليه لا تملك صلاحية التحقيق فيها.
على الرغم من أن العديد من المستوطنين الذين تم تجنيدهم ببداية الحرب إلى قوات التدخل السريع وكتائب الحامية الاقليمية، لا يخدمون اليوم في خدمة احتياط نشطة، سمح لهم الجيش الاحتفاظ بالسلاح والزي العسكري. بهذا الشكل، تحقق إسرائيل غايتين تسعى لهما. أولًا، الهدف الأصلي – “حماية إقليمية”، مساندة قوات الأمن بحماية المدنيين الاسرائيليين الذين يقطنون بمستوطنات الضفة الغربية. ثانيًا، توظيف المستوطنين للسلاح والزي العسكري بالجريمة لأجل المسّ بالفلسطينيين والاعتداء عليهم وتهجيرهم من أراضيهم، يساعد إسرائيل على تحقيق طموحها بوضع يدها على المزيد من أراضي الضفة الغربية وضم الأراضي خالية من سكانها.
يُثبت مستوطنين بالزي العسكري أنه بشكل منهجي وكسياسة مُتبعة، تُتيح إسرائيل عمدًا طمس المعالم التي تُميّز بين المستوطنين وقوات الجيش، وتشجّع أعمال العنف من مليشيات مدنية تعمل من أجل مصالح الاستيطان ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية. تتعارض هذه المُمارسات الإسرائيلية مع التزامات الدولة بموجب القانون الدولي كقوة مُحتلة في الضفة الغربية وتنتهك حقوق الإنسان للفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل صارخ.



